القيام بالمسؤوليات رغم القرح الفادح
القيام بالمسؤوليات رغم القرح الفادح ([1])
رغم أننا مكلومون ومحزونون لما تتعرض له الأمة من مصائب وكوارث واعتداءات ظالمة ، إلا أن ذلك لا يمكن أن يكون مبرراً للقعود عن أداء مسؤولياتنا المتعددة وتعطيل نشاطنا فقد ورد في الحديث الشريف (تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ) ([2]) ومنه اشتهر القول: (إن المؤمن له أسوة بربه) ، بمعنى أن هذه الأسماء الحسنى والصفات العليا التي نقرأها يجعلها مدرسة يستفيد منها، فعندما تقرأ في الدعاء مثل دعاء رجب: « يَا مَنْ أَرْجُوهُ لِكُلِ خَيْرٍ وَ آمَنُ سَخَطَهُ من [عِنْدَ] كُلِّ شَرٍّ » ([3])، خذ هذه الرسالة، وهي أن تكون أنت ممن يُرجى منه كل خير، ويُؤمَن سخطه عند كل شيء، كن أنت كذلك. وعندما تقرأ: « يَا مَنْ سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ» ([4])، كن أنت كذلك، وهكذا، فالمؤمن له أسوة بربه.
ومن صفات الله تبارك وتعالى أنه ل(يَا مَنْ لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ) ([5])، فلا بد أن نستفيد من هذه الصفة أيضًا، بأننا نحن لنا مسؤوليات عديدة أكيد، فلا ينبغي أن تشغلنا مسؤولية عن مسؤولية، مهما كانت التحديات عظيمة والمصائب جسيمة.
فمن مسؤوليتنا:
1 - التحصيل العلمي، والبحث والتحقيق والتأليف والتدريس والنشر .
2 - إقامة دعائم مدرسة أهل البيت (سلام الله عليهم) بهذه العلوم المباركة.
3 - التبليغ والوعظ والإرشاد.
4 - وتوعية الأمة وتثقيفها، وإيقاظها وتبيين الحقائق أمامها.
5 – رعاية الأمة والدفاع عن مصالحها ورفع المظالم عنها ومساعدة المجتمع إنسانيًا.
فالمفروض أن الظرف مهما يكون صعبًا، فإنه لا يشغلنا عن مسؤولياتنا الأخرى، وإن كان القرح الذي أصابنا عظيمًا أكيد، ومؤلمًا، لكن عسى الله تعالى أن يجعلنا من أهل هذه الآية الشريفة:{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ } ( ال عمران : 172) وقد كان نزول هذه الآية في مثل هذه الأيام، إذ وقعت معركة أحد في الخامس عشر من شوال، وهذه نزلت في وقعة حمراء الأسد التي تلت المعركة بيوم أو يومين، لما رجع المشركون من أحد مزهوين بالانتصار،( نَدِمُوا عَلَى انْصِرَافِهِمْ، وَتَلَاوَمُوا، وَقَالُوا: لَا مُحَمَّدًا قَتَلْتُمْ، وَلَا الكَوَاعِبَ أَرْدَفْتُمْ، قَتَلْتُمُوهُمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، تَرَكْتُمُوهُمْ، ارْجِعُوا فَاسْتَأْصِلُوهُمْ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ الخَبَرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَرَادَ أَنْ يُرْهِبَ العَدُوَّ وَيُرِيَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ وَأَصْحَابِهِ قُوَّةً، فَنَدَبَ أَصْحَابَهُ لِلْخُرُوجِ.) ([6])
فنزل الوحي على النبي صلى الله عليه وآله، (...فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَخْرُجَ فِي أَثَرِ الْقَوْمِ- وَ لَا يَخْرُجْ مَعَكَ إِلَّا مَنْ بِهِ جِرَاحَةٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ص مُنَادِياً يُنَادِي- يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ مَنْ كَانَتْ بِهِ جِرَاحَةٌ فَلْيَخْرُجْ وَ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ جِرَاحَةٌ فَلْيُقِمْ، فَأَقْبَلُوا يَضْمِدُونَ جِرَاحَاتِهِمْ وَ يُدَاوُونَهَا ... فَخَرَجُوا عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الْأَلَمِ وَ الْجِرَاحِ- فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ص بِحَمْرَاءِ الْأَسَد...)([7]) فنزلت هذه الآية: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} (آل عمران : 172)، وأي قرح؟ إنه قرح معركة أحد، سبعون شهيدًا على رأسهم حمزة بن عبد المطلب وأثخن الثابتون بالجراح وكان جسد أمير المؤمنين (×) ممزقاً.
فأقول: عسى الله تعالى، عندما نعود إلى درسنا، ونعود إلى واجبنا في التبليغ وتوعية الأمة ونصحها وإرشادها، والمساهمة في المساعدات الإنسانية، عسى الله تعالى أن يجعلنا من أهل هذه الآية: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾، في إقامة مدرسة أهل البيت في التحصيل العلمي، وفي نشر أمرهم، وتوعية الأمة، وإرشادها، وتوجيهها، فكلها من سُبُل الله وطاعة رسوله﴿ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ﴾، نعم، قرح كبير أصابنا ولا يزال، ولم ينتهِ بعد، فالعدو لا ينتهي من جرائمه ولا يرتدع، ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾(آل عمران : 172) .
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل هذه الآية، ويحشرنا معهم إن شاء الله.
[1] - كلمة مختصرة ارتجلها سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) في افتتاح بحثه الفقهي يوم السبت 22 / شوال / 1447 الموافق 11 / 4 / 2026 بعد انتهاء تعطيل شهر رمضان والحداد على استشهاد القائد السيد علي الخامنئي والآلاف في ايران والعراق ولبنان وكانت الحرب لا زالت قائمة.
[2] - بحار الأنوار (ط - بيروت): ج58/ ص 129، ويساعد عليه ما أخرجه السيوطي في جامع الصغير، ص 360، ج 1، والعسقلاني في كتابه المطالب العالية ج 2، ص 389، الحديث 2544: عن رسول الله (×): إنّ للّه تعالى مائة خلق وسبعة عشر خلقا من أتاه بخلق منها دخل الجنّة.... المصدر: تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم ج2 186.
[3] ـ إقبال الأعمال (ط - القديمة) : ج2/ ص644.
[4] ـ كتاب المزار- مناسك المزار(للمفيد) : ص161.
[5] ـ مصباح المتهجد و سلاح المتعبد ؛ ج1 ؛ ص228
[6] - الكشف و البيان (تفسير ثعلبى): ج3 / ص 207 .
[7] - تفسير القمي : ج1/ ص124 .

