فقه العشائر

| |عدد القراءات : 1
  • Post on Facebook
  • Share on WhatsApp
  • Share on Telegram
  • Twitter
  • Tumblr
  • Share on Pinterest
  • Share on Instagram
  • pdf
  • نسخة للطباعة
  • save

فقه العشائر ([1])

الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبو القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

قال سبحانه وتعالى : Pيَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌO ( الحجرات:13)، فالهدف أذن من أختلاف الناس في الجنس بين ذكر وإنثى وتعدد إنتماءاتهم ، وتصنيف البشر إلى شعوب مختلفة وقبائل متنوعة بالملامح واللغات والأصول والتقاليد هو لكي يتعرف بعضكم على بعض ويميزه عن غيره بخصوصياته ، وليعرف كل إنسان بسماته وخصائصه المميزة له، ولتعرف أنسابهم، ولا يجوز أن تتحول هذه الخصوصيات إلى مادة لكي يتفاخروا بها أو ليتفاضل بها بعضكم على بعض، إذ ليس لجنس على أخر ولا لفصيل على أخر فضل وتفوق كما تتبناه بعض الدعوات العنصرية وتّغذيها العصبية الجاهلية، بل أساس التفاضل ومعيار التكريم هو التقوى ودرجة القرب من الله تبارك وتعالى وتقواه .

وبهذا المعيار ينظر الإسلام إلى الناس فتراه يرفع سلمان الفارسي ويجعله من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وبالمقابل تنزل سورة كاملة في القرآن الكريم بذم أبي لهب عم الرسول (|) وتبقى خالدة إلى يوم القيامة.

 ولنا عبرة فيما اقتص سبحانه من قصة نبي الله نوح وولده فقال له ، (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) (هود : 46)، وذكر سبحانه ما يتحقق به الانتساب الحقيقي وما ينفع يوم القيامة فعلاً فقال تعالى {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء :88 - 89)  {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ} (المؤمنون : 101) ،  {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} (سبأ : 37).

فالهدف الأسمى للإنسان في هذه الحياة هي معرفة الله سبحانه وتعالى وطاعته وعبادته ، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات : 56) ولا ينبغي أن يطاع أحد إلا من كانت طاعته من طاعة الله سبحانه، أما إذا كانت طاعة المخلوق تسبب معصية الخالق فهي مرفوضة ففي الحديث الشريف : (لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ) ([2]) وهؤلاء الذين يطاعون من دون الله سبحانه سيتبرّؤون من أتباعهم يوم القيامة ولا تنفعهم طاعتهم، بل يلعن بعضهم بعضا ويندمون حيث لا ينفع الندم ، {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} (إبراهيم : 21) ، Pوَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ *قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَO ( سبأ: ٣١–٣٢)

ومثل هذه المخاصمات بين الأتباع ورؤسائهم كثيرة ومنتشرة في كتاب الله، {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ} (الأعراف: 38) وكل ذلك للتحذير مما وقعت فيه الأمم السابقة فإنهم أطاعوا كبراءهم فأضلوهم السبيل {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} (الأحزاب : 67) ولم يغنوا عنهم من الله شيئا ، لذا يجب على كل من يسلم قياده لأحد أو يدخل في طاعة أحد ومتابعته أن يراقبه ويدقق في عمله، فإن كان في طاعة الله سبحانه سار معه وإلا نبذه وتخلف عنه فانه حينئذ - كفرعون - {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} (هود: 98).

   وأظن أن هذه المقدمة واضحة في أذهان الجميع و متسالم على صدقها، لكن العجب بعد كل ذلك أن نرى كثيراً من الأنظمة العشائرية والتقاليد المتبعة فيها مخالفة صريحة للشريعة ومع ذلك ترى لها قوة في التطبيق أشد من قوة الشريعة، فيرضخ لها الإنسان وينصاع وإن كان في ذلك معصية الله سبحانه ودخول جهنم، فبالرغم مما تنطوي عليه الأعراف العشائرية من حسنات وإيجابيات كالاتحاد والتآزر والتواصل وسد الحاجة وما تنطوي عليه من خصال حميدة كالكرم والشجاعة والوفاء والغيرة والنخوة، لكن هذا كله يجب أن يكون في قالب الدين والشريعة ولا يزيغ عنها، ولا يجوز أن يكون ضغط العرف العشائري أكثر من الوازع الديني، بل يجب تهذيب وتعديل هذا العرف بما ينسجم مع الشريعة، وان الشيطان ليوحي إلى أوليائه بأنه النار ولا العار إن هم خالفوا السنائن العشائرية، والإمام الحسين (×) أَنْشَأَ فِي يَوْمِ قَتْلِهِ‏ يقول :

الْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْعَارِ

 

وَ الْعَارُ أَوْلَى‏ مِنْ دُخُولِ النَّارِ ([3])

على أنه ليس في تطبيق الشريعة المقدسة أي عار بل العار في مخالفتها والشرف في الالتزام بها كما في الحديث وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (×) (مَنْ أَرَادَ عِزّاً بِلاَ عَشِيرَةٍ، وَهَيْبَةً مِنْ غَيْرِ سُلْطَان، وَغِنَىً مِنْ غَيْرِ مَال، وَطَاعَةً مِنْ غَيْرِ بَذْل، فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ ذِلِّ مَعْصِيَةِ اللهِ إِلَى عِزِّ طَاعَتِهِ، فَإِنَّهُ يَجِدُ ذَلِكَ كُلَّهُ) ([4]).

فان الإسلام يريد إصلاح البشرية وسعادتها وإقامة العدالة الاجتماعية Pإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِO (النحل: ٩٠)، أما من أغواهم الشيطان فيريدون الضلال والشقاء والتعاسة والفوضى والهمجية، Pوَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًاO (النساء:60).

وإذا اجتمع الخصوم عند الله سبحانه فلا ينفع المذنب أن يقول أمرني رئيس عشيرتي بكذا وعليَّ التنفيذ، فانه يرمى هو ورئيس عشيرته في جهنم ويكون مع المشركين الذين اعتذروا بأنه، {إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ} (الأعراف: 173).

فنهيب بإخواننا أبناء العشائر إلا يكونوا فريسة سهلة للشيطان ويضِّيعوا دينهم ودنياهم من أجل تسويلات شيطانية ما أنزل الله بها من سلطان، فيكون من أشد الناس حسرة، قال الإمام علي (×) : (أَشْقَى النَّاسِ مَنْ بَاعَ‏ دِينَهُ‏ بِدُنْيَا غَيْرِهِ )([5]) فما معنى أن يتقاتل قوم فتذهب النفوس والأموال - وهم يدّعون الإسلام - من أجل كلام  مفترى  وتهم مدعاة من دون تحقيق ، يلقيها مغرض أو منافق أو حاقد ويوقع العداوة والبغضاء بين المسلمين، وهو عين ما كان يفعله اليهود بين الأوس والخزرج في المدينة وسالت أودية من الدماء بسبب كلام فارغ يقال هنا وهناك وقد لا يكون له أساس من الصحة.

وحتى لو حدث حادث... لا سامح الله - بسبب نزوة الشيطانية من زنا أو لواط أو قتل أو سرقة فقد جعل له الشارع المقدس عقوبات وتعويضات وحدود، Pتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَاO (البقرة: ٢٢٩)، Pوَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُO (الطلاق: ١)، أما هذه الأحكام الجزافية التي جرى عليها العرف العشائري فما أنزل الله بها من سلطان، ومن يشرِّع أحكاما بغير ما أنزل الله فان عذابه شديد لأنه ينازع الله تعالى في سلطانه، ويجعل نفسه حاكما في مقابل حاكمية الله تبارك وتعالى قال تعالى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ (المائدة:٤٥).

وقال الامام الصادق (×): (الْحُكْمُ‏ حُكْمَانِ‏ حُكْمُ اللَّهِ وَحُكْمُ الْجَاهِلِيَّةِ فَمَنْ أَخْطَأَ حُكْمَ اللَّهِ حَكَمَ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ)([6])

    ونصيحتنا لرؤساء العشائر أن لا تغرَّهم هذه الرئاسات فقد حذرنا الأئمة (عليهم السلام) من تولي رئاسة مجموعة من الناس مهما كانت قليلة قال النبي (’) : (وَمَنْ تَوَلَّى عِرَافَةَ قَوْمٍ‏ حُبِسَ عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ بِكُلِّ يَوْمٍ أَلْفَ سَنَةٍ وَ حُشِرَ وَ يَدُهُ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِهِ فَإِنْ كَانَ قَامَ فِيهِمْ بِأَمْرِ اللَّهِ أَطْلَقَهَا اللَّهُ وَ إِنْ كَانَ ظَالِماً هُوِيَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ خَرِيفاً) ([7]) لأنه يطول موقفه يوم القيامة ويسأل عن كل صغيرة وكبيرة، وإن ممن لا يشم ريح الجنة من تولى عرافة قوم أي رئاستهم ومشيختهم، ولم يعمل بما يرضي الله تعالى.

     وكان السلف الصالح يتهربون من الزعامات ورعاً، واحتياطا لدينهم وفراراً من الوقوع في المزالق، فمن تبوأ مثل هذه المقاعد فليضاعف الحذر أمام الله سبحانه وتعالى، وليكن على معرفة تامة بأحكام الشريعة لكي لا يقع في مخالفتها، ويجب أن يكون واسع الصدر رحيما رؤوفا بالناس يقبل العذر، وجامعاً لشتى الخصال النفسية الحميدة.

     وهذه أسئلة توجه بعض الأخوة المخلصين الغيورين على الدين على شكل فتوائي مع سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد الصدر وهي كما هو واضح شاملة لكثير من التقاليد والعادات والقوانين العشائرية المنحرفة الظالمة، وتفضل سماحته بالإجابة ليعلن بصراحة رفض الشريعة المقدسة لها وليبين راية الحق فيها، لعل فيها ذكرى لمن يتذكر أو ألقى السمع وهو شهيد Pوَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَO (الذاريات: ٥٥)، Pوَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُO (هود:٨٨)

وهو نعم المولى ونعم النصير.

                                                         

                                                                               أحد طلبة الحوزة العلمية الشريفة                                                     

5 / رمضان المبارك / 1417

                                                                                         14 / 1 / 1997



[1] - لما عزم السيد الشهيد الصدر الثاني (رضوان الله تعالى عليه) على طبع كتيب (فقه العشائر) الذي جمع استفتاءاته في تنظيم أمور العشائر وإصلاح واقعها، طلب من سماحة الشيخ اليعقوبي (دام ظله) أن يكتب مقدمة له فكتب سماحته هذا الخطاب وطبع في مقدمة الكتاب مذيلاً بأسم أحد طلبة الحوزة وليس بأسمه الصريح لاعتبارات لا تخفى ونحن ننشر الخطاب لما فيه من حيوية وضرورة مستمرة. 

[2] ـ دعائم الإسلام: ج‏1/ ص350.

[3] ـ مناقب آل أبي طالب عليهم السلام (لابن شهرآشوب) : ج‏4 / ص68.

[4] - كتاب الأمالي للشيخ الطوسي (ص 524)، وكتاب خصائص الأئمة للشريف الرضي (ص 99)، وعنه في بحار الأنوار للعلامة المجلسي (ج 68، ص 179).

[5] ـ غرر الحكم ودرر الكلم: ص202.

[6] ـ الكافي (ط - الإسلامية) : ج‏7 / ص407 .

[7] ـ وسائل الشيعة: ج‏17/ص: 190 .