الصدق روح الايمان وصلاح كل شيء ومحور الجزاء

| |عدد القراءات : 1
  • Post on Facebook
  • Share on WhatsApp
  • Share on Telegram
  • Twitter
  • Tumblr
  • Share on Pinterest
  • Share on Instagram
  • pdf
  • نسخة للطباعة
  • save

 

 

{مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهدُوا اللَّه عَلَيْه}

الصدق روح الايمان وصلاح كل شيء ومحور الجزاء ([1])

 قال الله تبارك وتعالى {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهدُوا اللَّه عَلَيْه فَمِنْهم مَّن قَضَىٰ نَحْبَه وَمِنْهم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (الأحزاب: 23)

 

مقدمة:

        والآية الكريمة واحدة من عشرات الآيات الكريمات التي تحث على الاتصاف بالصدق وتبيّن عظيم منزلة العامل به وسمو درجته وتمايز مواقف الناس على أساسه، ومنزلة الصدق من الايمان، والسؤال يوم القيامة عن الصدق وارتباط الجزاء بالصدق، ونحو ذلك.

        والآية من سورة الأحزاب التي تكاد تكون مخصّصة لبيان هذه التفاصيل وتستعرض بعض المواقف التي ثبت فيها صدق الموفين بالعهد كيوم الأحزاب كقوله تعالى في الآية 8: { لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِم} (الأحزاب: 8) وفي الآية 15 {وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً} (الأحزاب: 15) وفي الآية 24 { لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ} (الأحزاب: 24) وتبيّن في ختامها أصل أخذ هذا العهد في بداية الخلق {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} (الأحزاب: 72)،  وغيرها مما سيأتي إن شاء الله تعالى.

 

        ويتحقق الصدق عندما يتطابق القول مع الواقع المخبر عنه قال الإمام علي (×): (الصدق مطابقة المنطق للوضع الإلهي) ([2])  قال ابن فارس: ((الصدق: خلاف الكذب، سمي لقوته في نفسه، ولأن الكذب لا قوة له وهو باطل، وأصل هذا من قولهم: شيء صدق، اي صُلب)) لذا وُصف الموقف المبدأي الثابت الشجاع بأنه موقف صدق، فالصدق قوي تام صحيح حق لا ريب فيه ولا اختلاف.

        والصدق وإن كان من لوازم الإخبار وإن كان وعداً قال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَه وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} (الزمر: 74)، وقال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّه كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} (مريم: 54) فلا يكون في الإنشاء كالاستفهام والطلب إلا بلحاظ لوازمه، فالسؤال إخبار عن جهله بما يسأل عنه، والطلب إخبار عن حاجته.

 

        هذا هو الصدق في القول لكن القائل لا يسمى صادقاً إلا إذا تطابق القول مع الفعل، واتّحد الظاهر والباطن ووافقا معاً الحق، أي كان صادق الاعتقاد والقول والسلوك كما سيأتي في الآية 177 من سورة البقرة ونظائرها، فقد يكون ما يقوله حقاً إلا أن ضميره غير منعقد عليه فلا يكون صادقاً، كما قال تعالى في المنافقين: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه وَاللَّه يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُه وَاللَّه يَشْهدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} (المنافقون: 1) وقد شهد الله تعالى بأن ما قالوه حق إلا أنهم ليسوا صادقين لأن باطنهم لم يكن مطابقاً لما أظهروه.

        فلكي يكون الإنسان صادقاً لا بد من توفّر عناصر ثلاثة: أن يكون ما يقوله حقاً ومطابقاً للمخبر عنه، وأن ينعقد ضميره على ما أظهره عازماً على الوفاء به، وأن يطابق قوله فعله، وإلا كان على درجة من النفاق، ويبرز الفرق بين الجماعتين في المواقف إزاء القضية الواحدة، مثلاً عند محاصرة الأحزاب للمدينة، قال مرضى القلوب: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً} (الأحزاب: 12) بينما قال المؤمنون الصادقون: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} (الأحزاب: 22).

        والصدق كسائر الملكات تحصل بالتطبع وتدريب النفس عليها ومجاهدة نقيضها أعني الكذب وتثبت الصفة بالممارسة، فإذا تعود الإنسان الصدق رسخت صفة الصدق عنده بحيث يصبح ملكة فيه وحينئذٍ يستقبح الكذب وينفر منه كما في قول الإمام الحسين (×) إمام الصادقين: (فإني ما تعمدت الكذب مذ علمت أن الله يمقت أهله ويضرّ به من اختلقه) ([3]) فلا يصدر منه الكذب لأي سبب من الأسباب والدوافع كالخوف أو الطمع أو المجاملة أو الرياء.

 

       فإذا استقدر منطقه على الصدق مع كون اعتقاده حقاً وصدّق فعله قوله سمي (صدّيقاً) قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهيمَ إِنَّه كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً} (مريم: 41)، {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّه كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً} (مريم: 56)، {وَأُمُّه صِدِّيقَةٌ} (المائدة: 75)، قال رسول الله (|): (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البرّ يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديّقاً)([4])، روي عن الإمام الباقر (×) قوله: (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقاً)([5]).

 

تفسير الآية:

     {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} من: دالة على التبعيض فإن بعض المؤمنين يفون لله تعالى بما عاهدوه عليه من توحيده والإخلاص في عبادته وطاعته دون سواه، والإذعان له والتسليم والانقياد لأمره، فلا سلطان للمال ولا للشهوات ولا لأحد من خلق الله تعالى ولا غير ذلك من أمور الدنيا عليهم، ومنهم من ليسوا كذلك فلا ينطبق عليهم الثناء الذي ذكرته الآية الكريمة وإنما هم على درجات ومراتب في سلم الكمال، لأن منهم من يؤمن بالإسلام نظرياً وينطق بالشهادتين ويصنف على أنه مسلم وتجري عليه أحكام المسلمين إلا أنه غير ملتزم بشريعة الإسلام، وهؤلاء لا يستحقون شيئاً عند الله تعالى لعدم التزامهم بالعهد لأن الجزاء فرع العمل، قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} (البقرة: 40) وقال تعالى مستنكراً توقّع الجزاء من غير صدق بالعهد: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ} (التوبة: 7) والشرك كما نعلم له مراتب كثيرة فمنه جلي ومنه خفي وهو الرياء.

        ومنهم ملتزم بالعبادات ويؤدي الفرائض إلا أنه في سلوكه ومعاملاته لا يراقب الشريعة ولا يحذر من تعدي حدود الله تعالى والمؤسف حقاً أن أكثر الناس كذلك {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} (الأعراف: 102) قال تعالى في استنكار هذه الحالة: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (البقرة: 85).

        روى الشيخ الكليني بسنده عن الإمام الصادق (×) في هذا التصنيف قَالَ: ((الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنَانِ‏ فَمُؤْمِنٌ صَدّقَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ وَفَى بِشَرْطِهِ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ‏[6] فَذَلِكَ الَّذِي لَا تُصِيبُهُ أَهْوَالُ الدُّنْيَا وَ لَا أَهْوَالُ الْآخِرَةِ وَ ذَلِكَ مِمَّنْ يَشْفَعُ وَ لَا يُشْفَعُ لَهُ وَ مُؤْمِنٌ كَخَامَةِ الزَّرْعِ‏[7] تَعْوَجُّ أَحْيَاناً وَ تَقُومُ أَحْيَاناً فَذَلِكَ مِمَّنْ تُصِيبُهُ أَهْوَالُ الدُّنْيَا وَ أَهْوَالُ الْآخِرَةِ وَ ذَلِكَ مِمَّنْ يُشْفَعُ لَهُ وَ لَا يَشْفَعُ))([8]).

        وقد تكون {من} بيانية للتأكيد على أن المؤمنين خاصة هم من يتوقع منهم الوفاء بالعهد، وأنَّ غير المؤمن لا يمكن أن يكون من الصادقين، أو يوصف بأنه ممن صدق مع الله تعالى في الوفاء بالعهد، فهذا الوصف لا يصح إلا في المؤمنين.

 

        {رِجَالٌ} لا يراد بهم الجنس قطعاً لأن من النساء من وصفها الله تعالى بالمبالغة في الصدق فوصف مريم بنت عمران بأنها صدّيقة {وَأُمُّه صِدِّيقَةٌ} (المائدة: 75) والصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء (÷) ويشهد لذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ} (النور: 36 -37) وقد سُئل النبي (’) هل بيت علي وفاطمة منها قال (’) هو من أفاضلها([9])، وإنما أريد باللفظ وصف الرجولة بما تعنيه من قوة الموقف والثبات عليه والشجاعة في التمسك بالحق والدفاع عنه، وبقرينة السياق الدال على صدق العهد في القتال والثبات في المعركة حتى الشهادة أو النصر، وتعزّزها الروايات كما سياتي إن شاء الله تعالى، وقد يكون الإطلاق من جهة الغلبة كما في قوله تعالى: {وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ} (ص: 62) فإن بعض النساء المؤمنات مقصودة بالآية قطعاً.

        {صَدَقُوا مَا عَاهدُوا اللَّه عَلَيْه} فلم يكن الإيمان مجرد ألفاظ يحركون بها ألسنتهم، ولم يكن الالتزام بالعهد حالة عابرة، بل تحوَّل إلى بوصلة لضبط سلوكهم لذا فإنهم وفوا بما عاهدوا عليه الله تعالى، لكن التعبير بالصدق دون الوفاء الذي هو أقرب للعهد فيه لمسة وجدانية عميقة إذ لا يتحقق الصدق إلا مع الخلاص والنقاء والثبات عليه كملكة راسخة، أما الوفاء فيمكن أن يكون عارضاً لغرض ما كدفع الملامة أو الطمع أو الرياء.

      والصدق بالعهد مطلوب في جميع المراحل من وجود الانسان، وأولها الميثاق الذي أخذه عليهم قبل خروجهم إلى هذه الدنيا بتوحيد الله تعالى والإذعان لربوبيته والتسليم له تبارك وتعالى في جميع أمورهم {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ} (الاعراف: 172).

     ثم عهد الإيمان الذي التزموا به بعد خروجهم إلى الدنيا واختيارهم الإسلام ديناً والثبات عليه حتى النفس الأخير، وذكّرهم به في الدنيا مراراً {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} (يس: 60).

    ومن تلك العهود ما يكرره المسلم يومياً خمس مرات {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5) فلا طاعة ولا انقياد ولا لجوء إلا إلى الله تبارك وتعالى.

       ومن موارده عهد الصدق في المواطن والثبات في الفتن، ومنها صدق القتال مع العدو وقد أشارت إليه آية سابقة {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً} (الأحزاب: 15) وكذا في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة: 111)  فمورد نزول الآية لا يخصص صدق العهد بالقتال وإنما هو عام، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} (الفتح: 10) فالصدق في العهد مطلوب على كل حال.

        {فَمِنْهم مَّن قَضَىٰ نَحْبَه} النحب: النذر المحكوم بوجوبه - كما في المفردات-  قال في العين: ((النحب: النذر (قضى نحبه) أي قتلوا في سبيل الله فأدركوا ما تمنّوا فذلك قضاء نحبهم، كان المعنى ظُفِروا بحاجتهم))([10]) وقيل يعني المدة والوقت - كما في مجمع البحرين -  فقضاء النحب انتهاء مدته بالوفاة لذا قيل في معناه: الموت ويمكن ارجاع الثاني إلى الأول ((كأنه نذر ينذره الإنسان يلزمه الوفاء به ولابد له منه)) -كما في معجم مقاييس اللغة ـ ولعل الجامع أن النحب: التزام يثبت على الإنسان يجب الوفاء به قهرياً كان كالموت أو اختيارياً كالنذر والعهد، وله معنى آخر من سنخ الأصوات ومنه النحيب فهما أصلان فالأول من باب قتل والثاني من باب ضرب ـ كما في المصباح ـ وإرجاعهما إلى أصل واحد ـ كما في كتاب التحقيق([11]) ـ لا يخلو من تعسف ومجازية ولسنا بحاجة إليه.

        فمعنى {قضى نحبه} أي وفوا بالعهد والتزموا به وحققوه بما أظهروه من أفعالهم حتى نهاية حياتهم حيث قتلوا أو ماتوا عليه لأنّ الالتزام الكامل بالعهد لا يتحقق إلا بالثبات عليه حتى نهاية حياته، واستيفاء مدة وجوده في الدنيا، ومن هنا صح إطلاق قضاء النحب على الموت لتحقق الوفاء التام بالالتزام به.

       {وَمِنْهم مَّن يَنتَظِرُ} ومن لم يقتل على هذا المبدأ فإنه ينتظر نهاية حياته بالموت أو القتل سائراً على النهج الذي عاهد الله تعالى عليه متمسّكاً بكل تفاصيله منتظراً حلول أجله ل (أنَّ الأعمال بخواتيمها)[12] كما في الحديث الشريف، بما يعني الانتظار من التهيؤ والاستعداد والحذر وإعداد العدة كأي امتحان، لا يتراجعون وهم ينظرون ما أصاب أصحابهم من القتل والقرح والشدة، فانتظارهم انتظار الثابت المستمر في أداء مسؤولياته وليس انتظار القاعد الخامل، وهذا هو المعنى المطلوب لانتظار الإمام المهدي (عجل الله ظهوره).

        {وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} بل كانوا ثابتين على العهد مستقرين ولم يزيغوا عنه على طول الزمن ولعل الإتيان بالمصدر مع الفعل لنفي مطلق التبديل صغيراً أو كبيراً، وفي أي مجال، ولو بدلّوا ولم يثبتوا لمحيت أسماؤهم من سجل الصادقين بالعهد، ولاستبدلهم الله تعالى قال تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} (محمد: 38) وأن العاقبة الحسنة للثابتين على العهد الصادقين مع الله تعالى {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} (هود: 49)  وهذه كلها سنن إلهية تضمنتها الآيات الكريمة.    والتعبير بالتبديل أبلغ من الضعف مثلاً أو النكول، لأن من يضعف قد يعترف بخطئه وتقصيره ويرجع أما من يبدل فإنه يصّر على الخطأ ويصطنع المسوغات له.

        {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ} (الأحزاب: 24)، فالصادقون الموفون بالعهد هم المؤمنون حقاً المستحقون للجزاء الحسن، والباء للسببية ظاهراً والانحصار فالجزاء الحسن لا يكون إلا على الصدق.

        فالصدق ملازم لهم من البداية حتى النهاية فدخلوا مدخل صدق من أول موقف بفضل الله تعالى وأحاطهم عنايته حتى خرجوا مخرج صدق في خاتمة أعمالهم، فكان لهم قدم صدق حفظ آثارهم ، ولسان صدق أدام ذكرهم ، ومقعد صدق يكون فيه مستقرهم ، قال تعالى مشيراً إلى هذه المقامات: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} (الإسراء: 80) {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} (الشعراء: 84) {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ؛ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} (القمر: 54_ 55).

        ولأنهم صدقوا في عهدهم مع الله تعالى، صدق الله تعالى في عهده معهم ووعده لهم وأنزلهم منزل صدق وثبت لهم قدم صدق وترك لهم لسان صدق وأورثهم مقعد صدق {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} (الزمر: 74).

        {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} (الأحزاب: 24) وكأن غير الصادقين الموفين بعهدهم يمثلون رتبة من مراتب النفاق بمقتضى المقابلة، لعدم المطابقة بين الظاهر والباطن بدرجةٍ ما .

       والآية الكريمة تمدح فئة من المؤمنين وتشيد بثباتهم وصدقهم مع الله تعالى إظهاراً لكرامتهم والثناء عليهم، وبياناً لمحورية الصدق في تحقق الأيمان واستحقاق الجزاء ، ولتربية الآخرين وحثهم على التأسي بهم والوصول إلى درجة الصدق مع الله تعالى والثبات على العهد ليكون من هؤلاء الممدوحين، ومن باب (أزجر المسيء بثواب المحسن)([13]) فإن الآية الكريمة تستخدم هذا الأسلوب للتعريض بالمنافقين ومهزوزي الإيمان الذين لم يثبتوا عند الفتنة وقد ذكرهم الله تعالى في آية سابقة {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً} (الأحزاب: 15) وتدعوهم إلى تصحيح طريقتهم ليفوزوا بهذه المنن الإلهية.

        فالآية الكريمة عامة تشمل كل من كان هذه الصفحة من المؤمنين، وإن كان المروي أنها نزلت في جماعة خاصة من باب ذكر أفضل المصاديق وأسماها فقد روى الإمام الباقر (×) عن جده أمير المؤمنين (×) قال: (وأما نفسي‏، فقد علم من حضر ممن ترى، و من غاب من أصحاب محمد (|) أن الموت عندي بمنزلة الشربة الباردة في اليوم الشديد الحر من ذي العطش الصدي، ولقد كنت عاهدت الله عز وجل ورسوله (|): أنا، و عمي حمزة، وأخي جعفر، وابن عمي عبيدة على أمر وفينا به لله عز وجل ولرسوله، فتقدمني أصحابي، وتخلفت بعدهم لما أراد الله عز وجل، فأنزل الله فينا: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} حمزة، وجعفر، وعبيدة، وأنا- والله- المنتظر)([14]).

        أقول: في رواية عن الإمام الصادق (×) أسماء جملة من أصحاب رسول الله (|) داخلين في الآية منهم من استشهد كعمار بن ياسر وابن التيهان وذي الشهادتين ومنهم من لم يستشهد كسلمان وأبي ذر وعمار وجابر بن عبد الله وسهل ين سعد وحذيفة بن اليمان وآخرين([15]) .

        وروى العامة أن ممن نزلت فيهم الآية أنس بن النضر وقد غاب عن بدر فشقَّ عليه فلما خرج النبي (|) إلى أُحد قال اشتياقاً للشهادة : ((وآهاً لريح الجنة أجدها دون أُحد، فقاتل حتى قتل ووجد في جسده بضع وثمانون جراحة)) وروى آخرون أن النبي (|) مرّ على الصحابي الجليل الفاني في حب الله تعالى ورسوله مصعب بن عمير وهو شهيد في أُحد ((فوقف عليه ودعا له وقرأ الآية ثم قال: (إن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأْتوهم وزوروهم فوالذي نفسي بيده لا يسلّم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا وردّوا عليه)) ([16])  .

        ومن مصاديق الآية الكريمة الذين ذكرتهم الروايات يظهر أنها لا تختص بمن يقتل في سبيل الله تعالى،  وليس قضاء النحب مشروطاً بانتهاء حياته قتلاً في سبيل الله تعالى بل الشرط أن يختم حياته صادقاً وثابتاً  على ما عاهد الله تعالى من التمسك بدينه في كل أمور حياته، وإن من الأعمال ما هو أرقى في سلّم التكامل من القتال كجهاد النفس الذي سمّاه النبي (|) الجهاد الأكبر، وكالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ورد فيه عن أمير المؤمنين (×): (وما أعمال البر كلها والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا كنفثة في بحر لجي)([17]).

       وقد دلت الآيات الكريمة والروايات الشريفة على أن أكمل الصدق هو الثبات على ولاية أمير المؤمنين والأئمة من بنيه (صلوات الله عليهم أجمعين ) والألتزام بسنتهم وهديهم ، روى الكليني بسنده عن الإمام الصادق(×) أنه قال لأبي بصير: (يا أبا محمد، لَقَدْ ذَكَرَكُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ‌: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ‌ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‌ نَحْبَهُ‌ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلا}ً إِنَّكُمْ وَفَيْتُمْ بِمَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِيثَاقَكُمْ مِنْ وَلَايَتِنَا وَ إِنَّكُمْ لَمْ تُبَدِّلُوا بِنَا غَيْرَنَا وَ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَعَيَّرَكُمُ اللَّهُ كَمَا عَيَّرَهُمْ حَيْثُ يَقُولُ جَلَّ ذِكْرُهُ{وَ ما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ‌ مِنْ عَهْدٍ وَ إِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ}) (الأعراف : 102) (‌[18]).

        وروى بسنده عن الإمام الصادق (×) قال (قال رسول الله (|): (يَا عَلِيُّ مَنْ أَحَبَّكَ ثُمَّ مَاتَ فَقَدْ قَضى‌ نَحْبَهُ‌ وَ مَنْ أَحَبَّكَ وَلَمْ يَمُتْ فَهُوَ يَنْتَظِرُ وَ مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ وَلَا غَرَبَتْ إِلَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ بِرِزْقٍ وَ إِيمَانٍ)([19]) واضاف في نسخة (نور) ([20])  وورد عن أمير المؤمنين (×) في تفسير قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} (الحديد: 19) قال (×): (الميت من شيعتنا صدّيق، صدّق بأمرنا وأحبًّ فينا، وأبغض فينا يريد بذلك الله عز وجل والدار الآخرة)([21])، وفي تفسير الإمام العسكري (×) (من تواضع في الدنيا لإخوانه الشيعة، فهو عند الله من الصديقين ومن شيعة علي حقاً)([22]).

        وقد أثنى الله تعالى على الصادقين الذين وفوا بما عاهدوا الله تعالى في قوله: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} (البقرة: 177) ولا يتصف به المؤمن من فراغ وإنما يكون بخصال كريمة تظهر على أفعاله قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (البقرة: 177) وقال تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (الحجرات : 15) وقال تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (الحشر: 8) {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} (الحديد: 19).

        وينبغي الالتفات إلى أن إظهار كل ما يعلم من الصدق ليس محموداً دائماً لأن إظهاره يكون أحياناً مخالفاً للحكمة والصلاح، قال علي (×): (ولا تَكُ صادقاً حتى تَكتُمَ ما تعلم)([23])، ومن أمثلته ما ورد عن الإمام الصادق (×) قال: (أيُّما مسلم سُئل عن مسلم فصدق وأدخل على ذلك المسلم مضرَّةً كُتب من الكاذبين ومن سُئل عن مسلم فكذب فأدخل على ذلك المسلم منفعةً كُتبَ عند الله من الصادقين) ([24])، وروي عن النبي (|) قوله: (وثلاثُ يقبحُ فيهم الصدق: النميمة وإخبارك الرجل عن أهله بما يكرهه، وتكذيبك الرجل عن الخبر) ([25]).

        والمتتبع لآيات القرآن الكريم يخرج بنتيجة: إن الدنيا هي امتحان للصدق وتمحيص الادعاءات وفرز الصادق في إيمانه من الكاذب، وعدم قبول الدعاوى والشعارات إلا بعد التمحيص وإثبات الصدق كسنّة إلهية جارية  قال الله تبارك وتعالى بعد أن بيَّن أن الدنيا هي دار الفتنة والابتلاء: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت: 3 ) فالصدق ملازم للإيمان الذي لا يتحقق إلا به وإلا كان في درجة من درجات النفاق، قال تعالى بعد هذه الآية وكأنها تبين الملازمة: {وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} (العنكبوت: 11) وقال تعالى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ} (الأحزاب: 8) اي في ما تعهدوا به من الإخلاص لله تبارك وتعالى وعبادته وحده دون سواه، وفي الامتثال لما أمر الله تعالى به ومطابقة أفعالهم لأقوالهم، كما يسأل الناس عن تصديقهم للأنبياء والأئمة واتباعهم لما جاؤوهم به {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} (المائدة: 109) وفي الرواية عن الإمام الباقر × قال: (إن أول من يُسأل عن صدقه رسول الله (|) في ما أمره الله تعالى بالولاية لأمير المؤمنين علي (×) من بعده ولأولاده المعصومين فيشهد النبي (|) والأئمة المعصومون (^) بالأداء، وقال في نهايتها: (ثم يدعى بإمام إمام، وبأهل عالمه - فيحتجّون بحجَّتهم-  فيقبل الله عذرهم، ويجيز حُجَّتهم، قال ثم يقول الله: { هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ)([26]).

        لذا كان الصدق روح الإيمان وخلاصته وعلامته الفارقة قال النبي (’): (لا تنظروا الى كثرة صلاتهم وصومهم ولكن انظروا الى صدق الحديث وأداء الأمانة)([27]).

        وأن الصدق في القول والعمل هو موجب الجزاء الحسن، قال تعالى:{لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصْدِقِهِمْ} (الأحزاب: ٢٤)  فالجزاء على قدر الصدق في العمل والثبات عليه وليس على الادعاءات ولا مجرد النوايا الحسنة؛ لأن الصدق في القول يقود الى الصدق والصلاح في الفعل قال علي (×): (الصدق صلاح كل شيء) ، (والكذب فساد كل شيء)([28]) فهو يحرز الإيمان وحسن العاقبة، وقال تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} (المائدة: 119) أي صدقهم في الدنيا لتعقيبه بالجزاء {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (المائدة : 119)، والصدق في الآخرة ليس مما يوجب الجزاء لإنها ليست دار عمل، روي أن رجلاً جاء إلى النبي (|) فقال: (يا رسول الله ما عملُ أهل الجنة -أي ما هو العمل الذي استحقوا به الجنة- ؟  فقال (|) قال: الصدق إذا صدق العبد بَرَّ وإذا برَّ آمن وإذا آمن دخل الجنة، فقال: يا رسول الله ما عمل أهل النار؟ قال (|):( الكذب إذا كذب العبد فجر وإذا فجر كفر وإذا كفر دخل النار)([29]).

        روى الإمام الصادق عن أبيه (‘): قال (قال رجل لرسول الله (|): يا رسول الله دلّني على عمل أتقرب به إلى الله تعالى، فقال: (لا تكذب، فكان ذلك سبباً لاجتنابه كل معصية لله لأنه لم يقصد وجهاً من وجوه المعاصي إلا وجد فيه كذباً، أو ما يدعو إلى الكذب، فزال عنه ذلك من وجوه المعاصي)([30]).

        وروي أنه جاء رجل الى النبي (’) وقال: (أنا يا رسول الله أَسْتَسِرُّ بخِلال أربع: الزنا، وشرب الخمر، والسَّرق، والكذب، فَأيَّتهنَّ شئت تركتها لك؟ قال رسول الله(|): دع الكذب، فلمَّا ولى همَّ بالزنا، فقال: يسألني، فإنْ جحدت نقضت ما جعلت له، وإنْ أقررت حُددت، ثمَّ همَّ بالسَرقة، ثمَّ بشرب الخمر، ففكَّر في مثل ذلك، فرجع إليه، فقال: قد أُخذت عليَّ السَّبيل كلَّه، فقد تركتهنَّ أجمع)([31]).

        وتجد في الأحاديث الشريفة ملازمة بين الصدق وأداء الأمانة وقد جمعهما النبي (|) بوصفه بالصادق الأمين لدى أعدائه قبل محبيه، لأن الصدق أمانة في القول، والأمانة صدق في العمل، قال علي (×) (الصدق أمانة) ([32]) وقال (الصدق أمانة اللسان) ([33]) فكما أن الصدق يحفظ حق الآخرين في معرفة الحقيقة، كذلك الأمانة تحفظ حق الآخرين في أنفسهم وأموالهم وكرامتهم،  فهما فعلان مقترنان فمن التزم بالصدق لا بد أن يكون أميناً، فكما أن أول الصدق بالعهد هو الميثاق المأخوذ على الإنسان بصدق العبودية لله تعالى {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} (الأعراف: 172) فإن هذا الميثاق أعظم أمانة يطالب الإنسان بحملها وتسليمها إلى أهلها {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} (الأحزاب: 72) وتصل هذه الثنائية بالمؤمن إلى أرقى درجات الكمال ومنشأهما واحد وهو تقوى الله تعالى، وعليهما تبنى الثقة بين الناس فهما قوام الحياة الاجتماعية.  

       قال الإمام الصادق (×) في كتابه إلى ابن أبي يعفور: (انظر ما بلغ به علي (×) عند رسول الله (|) فالزمه، فإنَّ علياً إنما بلغ ما بلغ به عند رسول الله (|) بصدق الحديث وأداء الأمانة)([34]) وقال أمير المؤمنين (×): (أربع من أُعطيَهُنَّ فقد أُعطِيَ خير الدنيا والآخرة: صدق حديث، وأداء أمانة، وعفّة بطن، وحُسنُ خُلُق)([35]) كما أن الكذب والخيانة متلازمان عند غير المؤمن ففي الحديث النبوي الشريف (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أتمن خان) ([36]).

كما أن الكذب والخيانة متلازمان عند غير المؤمن، ففي الحديث النبوي الشريف (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أتمن خان) ([37]).      

 

        وقد أمرنا الله تعالى بأن نكون مع الصادقين اعتقاداً وعملاً وسلوكاً وفي صفّهم وجماعتهم، عندما تتعدد الجماعات وتكثر الادعاءات وتلتبس الأمور وتشتبك الفتن فلا يضيِّع الإنسان نفسه ويخسر دينه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة: 119) وقد تقدمت أوصاف الصادقين، لكن المصداق الأكمل هم أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، قال أمير المؤمنين (×): (فأين يُتاه بكم أو كيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم وهم أزمّة الحق، وأعلام الدين، وألسنة الصدق فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن، ورِدوهم ورود الهيم العطاش)([38]) وقال (×) تعقيباً على الآية الكريمة: (أنا ذلك الصادق)([39])،  وقال الإمام الباقر (×) بعد أن عدّد أسماء الأئمة (^) حتى أومأ إلى ولده جعفر (×): (فمن والى هؤلاء فقد والى الله وكان مع الصادقين)([40]).

 

        ومن أوضح تجليات الصدق مع الله تعالى موقف أصحاب الإمام الحسين (×) فقد نصروه وبذلوا مهجهم دونه وهم سبعون مقابل سبعين ألفاً من الأعداء، وكان الإمام (×) يتلو هذه الآية الكريمة عند توديع أصحابه، ففي كتاب المناقب لأبن شهر آشوب (أن أصحاب الحسين (×) بكربلاء كانوا كُلُّ من أراد الخروج ودّع الحسين (×) وقال: السلام عليك يا ابن رسول الله، فيجيبه: وعليك السلام ونحن خلفك ويقرأ الآية)([41])، وكان الإمام (×) يتلوها عند مصارع الشهداء فقد روي أنه (×) وقف على مسلم بن عوسجة وهو يجود بنفسه وبه رمق ومعه حبيب بن مظاهر الأسدي فقال الإمام (×): (رحمك الله يا مسلم مِنْهم مَّن قَضَىٰ نَحْبَه وَمِنْهم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) ([42])، وفي كتاب مقتل الحسين لأبي مخنف: (إن الحسين (×) لمّا أُخبر بقتل رسوله عبد الله بن يقطر تغرغرت عيناه بالدموع وفاضت على خديه ثم قال فمِنْهم مَّن قَضَىٰ نَحْبَه وَمِنْهم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً )([43]) جعلنا الله وإياكم ممن صدق ما عاهد الله تعالى عليه ورزقنا حسن الخاتمة بالثبات على الحق إنه ولي النعم.  



[1] - درس التفسير الذي ألقاه سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) ليومي الأربعاء 18 و 25 / ربيع الثاني 1448 الموافق 30 / 9 و7 / 10 / 2026.

[2] - غرر الحكم: رقم 1552.

[3] - تأريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسين عليه السلام): 215، من خطبة الإمام الحسين × يوم العاشر من محرم، وقد رويت الخطبة في مصادر تأريخية وروائية عديدة.

[4] - كنز العمال: 6861.

[5] - الكافي: 2/ 104،  الأمالي: ص 528، الخصال ص 342.

 

[6] -  الأحزاب: 23.

[7] - الخامة من الزرع أول ما ينبت على ساق أو اللطافة الغضة منه أو الشجرة الغضة منه.

[8] ـ الكافي (ط - الإسلامية): ج‏2 /248، بَابٌ فِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ صِنْفَانِ‏ / ح 1.

[9] ـ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ’ هَذِهِ الْآيَةَ: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ‏ إِلَى (قَوْلِهِ‏) وَ الْأَبْصارُ} فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيُّ بُيُوتٍ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: بُيُوتُ الْأَنْبِيَاءِ. فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْبَيْتُ مِنْهَا لِبَيْتِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ مِنْ أَفْضَلِهَا. شواهد التنزيل لقواعد التفضيل: ج‏1؛ ص533. وَرَوَاهُ أَيْضاً الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ- كَمَا فِي الْفَصْلِ: (4) مِنْ كِتَابِ خَصَائِصِ الْوَحْيِ الْمُبِينِ ص 79 ط 2- مِنْ تَفْسِيرِهِ.

[10] ـ العين: 3/251.

[11] ـ التحقيق للمصطفوي: 12/54.

[12] - تفسير القمي: ج 1 / ص 271.

[13] - النص والمصدر

[14] ـ الخصال : 364 ح 58 . البرهان في تفسير القرآن؛ ج‏4 ؛ ص431 .

[15] - نور الثقلين : 4 / 536 ح 51 .

[16] - الدر المنثور: 5 / 190، عن مسلم والترمذي والنسائي والبغوي وبن جرير وأبي نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل وغيرهم. 

[17] - وسائل الشيعة: 16/ 134، بحار الأنوار: 67 / 89.

[18] - الكافي: 8 / 34 ح 6.

[19] - الكافي: 8 / 306 ح 475، البرهان 7 / 333.

[20] - نور الثقلين : 4 / 546 ح 49.

[21] -  الخصال: طبعة جماعة المدرسين قم ج 1 / ص 56، تفسير الصافي: 5 / 136.

[22] - الأحتجاج: ج 2 / ص267 -268 عن تفسير الإمام العسكري.   

[23] - بحار الانوار: 78 / 9 ح 64 .

[24] - بحار الأنوار : 71 / 11 ح 19 .

[25] - الخصال : 87 ح 20 .

[26] - تفسير القمي: 1 / 191.

[27] ـ بحار الانوار: 71 / 9 ح13

[28] ـ غرر الحكم 1118 / 1119.

[29] -  ارشاد القلوب ١٨٥، مجموعة ورام: ج 1 / ص 51.

[30] - مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل: ج 9/ ص 85.

[31] . شرح نهج البلاغة لابن ابي حديد: ج 6/357.  

[32] - غرر الحكم ودرر الكلم: ص 18 / رقم 27.  

[33] - غرر الحكم ودرر الكلم: ص 27/ رقم 310.  

[34] - أصول الكافي: 2 / 104 ح 5.

[35] ـ غرر الحكم ودرر الكلم: ص 123 رقم 2164.

[36] - الخصال : 254 ح 129 .

[37] -  الخصال : 254 ، ح 129 .

[38] - نهج البلاغة: خطبة 87.

[39] - معاني الأخبار: ص 59، تفسير القمي: ج 1 / 175.

[40] - تفسير العياشي: 2 / 268.

[41] ـ نور الثقلين: 2/537 ح57 من السورة.

[42] - الصحيح من مقتل سيد الشهداء (عليه السلام): 770 عن تاريخ الطبري: 5 / 435، الكامل: 2/ 565 وغيرها.

[43] ـ نور الثقلين: ج 4 / ص 259.